عادل بوحجاريإيمازيغن
في خطوة جريئة لإصلاح المنظومة التعليمية، قدمت الحكومة المغربية مشروع القانون رقم 59.21 الذي يعد بإحداث تغييرات جوهرية في التعليم المدرسي، من تعزيز إلزامية التمدرس، إلى فرض رقابة صارمة على التعليم الخصوصي، ووضع أسس جديدة لتمويل المدارس العمومية. وبينما يرى البعض في هذا المشروع حجر الأساس لنظام تعليمي أكثر عدالة وجودة، يخشى آخرون من أن يتحول إلى مجموعة من القيود القانونية التي قد لا تجد طريقها للتطبيق الفعلي. فهل نحن أمام إصلاح ثوري، أم مجرد تعديلات شكلية.
ينص المشروع على إلزامية تسجيل جميع الأطفال المغاربة الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و18 سنة، بمن فيهم الأطفال في وضعية إعاقة أو وضعيات خاصة. كما يفرض على الدولة والجماعات الترابية مسؤولية تعبئة كل الوسائل اللازمة لضمان هذا الحق.
لكن ما يثير الجدل هو الغرامات المالية التي تتراوح بين 2000 و5000 درهم، والتي ستفرض على أولياء الأمور الذين لا يلتزمون بتسجيل أبنائهم.
فهل تستطيع الأسر الفقيرة تحمّل هذه الغرامات، في ظل غياب مدارس قريبة أو نقص في التجهيزات؟
كيف سيتم تطبيق هذه العقوبات في المناطق النائية حيث التعليم الأساسي نفسه غير متاح بشكل كافٍ؟
من الواضح أن الحكومة تريد إنهاء ظاهرة الهدر المدرسي، لكن دون توفير إطار عملي واضح، قد تتحول هذه القوانين إلى عبء إضافي على الأسر بدلًا من أن تكون وسيلة لحماية حق الأطفال في التعلم.
من جانب اخر لطالما كان قطاع التعليم الخصوصي مجالًا مفتوحًا دون رقابة صارمة، لكن مشروع القانون الجديد يضعه تحت مجهر الدولة.
حيث يلزم المدارس الخاصة بتوفير ميثاق داخلي للمتعلمين وضمان تأمين جميع التلاميذ مع بداية كل سنة دراسية.
ويمنع رفض تسجيل أي تلميذ أو طرده طالما استوفى الكفايات المطلوبة، وهو ما سيضع حدًا للممارسات التمييزية التي تلجأ إليها بعض المؤسسات.
كما يفرض عقوبات تصل إلى 120 ألف درهم على المدارس التي تغير المناهج المعتمدة أو تستخدم كتبًا أجنبية غير مرخصة أو تتجاوز الطاقة الاستيعابية المحددة.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل تستطيع الدولة فعليًا فرض هذه الإجراءات، أم أنها مجرد “عقوبات على الورق”؟
وفي خطوة جديدة، ينص القانون على أن تمويل التعليم العمومي لن يكون مسؤولية الدولة وحدها، بل ستشارك فيه الجماعات الترابية، المقاولات العمومية، والقطاع الخاص.
فهل بهذا التوجه يعني أن الدولة بدأت في رفع يدها تدريجيًا عن التعليم العمومي، لتتركه رهينة التمويل المشترك؟
هل يمكن لهذه الشراكة أن تسهم فعلًا في تحسين جودة التعليم، أم أنها مقدمة لخصخصة غير معلنة للمدارس العمومية؟
ختاما فإن مشروع القانون يحمل العديد من الإجراءات الطموحة التي يمكن أن تؤسس لنظام تعليمي أكثر تنظيمًا، لكن نجاحه يعتمد على الإرادة السياسية والتطبيق الفعلي. فإذا بقي مجرد قانون بلا آليات تنفيذ، فقد يتحول إلى عبء إداري جديد بدلًا من أن يكون أداة للإصلاح الحقيقي.
السؤال الحاسم هل نحن أمام تحول جوهري في مستقبل التعليم المغربي، أم أن هذه القوانين مجرد نسخة جديدة من إصلاحات لم تغير شيئًا؟




































