دنيا هواري // إيمازيغن
تعتبر الثقافة أحد أساسات بناء المجتمع، إذ تساهم في تشكيل الإنسان وزيادة وعيه بمحيطه، ليتشكل لديه وعي ثقافي يعبر عن هوية كانت نتاج سيرورة تاريخية و حضارية، شملت محطات تراكمية من الثقافات خلقت مجتمعا يزخر باختلاف عوالمه وتراثه عن طريق ممارسات ثقافية تعطي لوجود الإنسان معنى.
بالتالي، يمكن اعتبار الثقافة أسلوب حياة، مجتمعنا يتميز بتراث ثقافي يتوارثه الأجيال، ويحرص على الحفاظ عليه وحمايته ، هذا التراث المتنوع ، يتجلى في تنوع العادات والتقاليد، ليشكل حضارة عريقة شاملة للتداخلات التي صاغت التاريخ.
إن حماية الثقافة في المجتمع رهين بمدى وعي الأشخاص بقيمة الموروث الثقافي في تحديد الهوية الفردية و الجماعية، وذلك عندما يدرك أن الثقافة هي جزء لا يتجزأ من المجتمع وصناعته، وكذا تعزيز التعايش الثقافي الذي من شأنه أن ينقل للتجارب الثقافية عبر الأجيال و بالتالي المساهمة بشكل مباشر في الحفاظ على الثقافة من الضياع.
تعبر الثقافة عن دينامية مستسمرة، تتأثر بعوامل خارجية مثل التكنولوجيا والاقتصاد والمجتمع، مما يؤدي إلى تغيرات في التقاليد والعادات واللغات. وقد يتعين على الثقافة التكيف مع المتطلبات الحديثة وتطوير عناصرها الثقافية لتواكب التحولات الاجتماعية والتكنولوجية في العصر الحاضر.
تغيير و تجديد الثقافة إشكالية تطرح مع التطور السريع الذي يعرفه المجتمع، لكن يبقى السؤال الذي يطرح نفسه، هل الثقافة تتعرض للتغيير أم التجديد؟ أم هما معا.. وإن كان الأمر يحدث فعلا هل يمكن اعتبار الثقافة الراكدة ثقافة فاعلة في المجتمع؟ و ما محل الشباب من هذا التغيير و التجديد.
المجتمع الحديث و الثقافة الراكدة :
تطور المجتمع ومواكبته للتقدم هو أمر طبيعي، فالتغيير ينشأ بسبب التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. ولا يمكن تجاهل أن الثقافة أيضًا تواكب التطورات والتغيرات المرتبطة بالمجتمع، حيث يتم تحديثها لتتماشى مع المتغيرات الحالية، وعلى الرغم من ذلك، قد يختار البعض الحفاظ على ثقافة راكدة نظرًا لأهمية عناصرها التاريخية والثقافية.
في هذا السياق، يعتبر جمال حدادي، أستاذ باحث بجامعة محمد الأول، أنه لا يمكن الحديث عن مجتمع حديث لا يواكب التقدم بالثقافة. فالثقافة لا يمكن أن تبقى راكدة ولا يمكن أن تخرج من نسق التغير والتجديد، لأن الثقافة تتأثر عبر الأيام بالتلاقحات الثقافية الموجودة في الثقافات المجاورة.
بالفعل، الثقافة هي ما يبقى عندما ننسى كل شيء. لذا، الحديث عن مجتمع حديث يواكب التقدم بثقافة راكدة هو مغالطة. بل هو مجتمع يستورد مجموعة من الأشكال الثقافية ويحاول تبنيها دون الرجوع إلى مرجعياته الفكرية والدينية والتاريخية والجغرافية والعرقية.
لهذا السبب، يجب على الثقافة أن تأخذ من هنا وهناك، لأن الإنسان بحكم حركيته في الزمن والمكان، جغرافياً وتاريخياً وبحكم التقدم في الزمن، يسعى دائمًا إلى أن يأخذ الأجمل من الأشياء ويتبناه، ويتجنب السيء منها. ثم يقوم بمقابلتها ومقارن
إلى أن يصل في يوم من الأيام إلى إدراك أن ما قد تبناه قد يكون مخالفًا لمرجعيته، وبالتالي يحاول تصحيح ذلك والعودة إلى مرجعيته الأصلية.
الثقافة بين التغيير و التجديد:
تعتبر الثقافة مرآة عاكسة لهوية المجتمع وقيمه، إذ تتأثر الثقافة باستمرار بالتغيرات التي يشهدها المجتمع، ويمكن أن يحمل هذا التغير القدرة على إحداث تحول، ومع ذلك، تظل الثقافة تحمل عناصر ثابتة لا تتأثر وتحمل هوية المجتمع وتعكس تاريخه وتراثه.
لذلك، يُعتبر هذا التجديد والتغيير مساهمًا في إثراء الثقافة وفتح آفاق جديدة، بالمقابل، يمكن للثقافة الراكدة المحافظة على قيم المجتمع التي تعزز الانتماء وتوفر شعورًا بالاستقرار.
في نفس السياق، أشار السيد جمال حدادي إلى أن ثقافتنا لم تتعرض للتغيير والتجديد، وإنما تعرضت للتأثير بعناصر غريبة عليها ودمجها في ثقافتنا، لذا لا يمكننا العيش في زمن قديم والاستمرار في الفترات السابقة دون أن ندخل إلى الزمان الحاضر ونستشرف المستقبل.
يجب أن يكون هناك تناغم وملاءمة ومواءمة بين ما ورثناه وما نطمح إليه في المستقبل، في إطار إعمال العنصر العقلاني و النقدي و المقارنة بين ما هو جيد وسيء، وتبني أشياء جميلة وممارسات جميلة، وعادات جميلة تتماشى مع هويتنا الحالية، و الحفاظ على الخصوصية المرتبطة بالحيز الجغرافي، بحيث لا يمكن الحديث عن جغرافية متعددة كجغرافية واحدة.
الثقافة الفاعلة في المجتمع :
الثقافة ليست شيئًا ثابتًا أو جامدًا، بل تتأثر باستمرار بالتغيرات التي يتعرض لها المجتمع، وتتطور على مر الزمن.بالتالي، فإن مدى فعالية الثقافة في المجتمع يرتبط بمدى استجابتها لاحتياجات وتطلعات المجتمع.
يمكن اعتبار الثقافة المتغيرة كمحرك لإثراء الحياة الاجتماعية بشكل كبير، إذ تساهم الثقافة المتغيرة في تجديد الأفكار لتعزز التنوع الثقافي والتفاعل بين الثقافات المختلفة في إطار يزخر بالتفاهم والاحترام المتبادل، فهل يمكن اعتبار أن الثقافة المتغيرة تساهم بشكل أو باخر في إثراء الحياة الاجتماعية.. في جوابه عن هذا السؤال تحدث جمال حدادي على أن التغيير والتجديد، عندما يتم بناؤهما على أسس فكرية وهيكلية، ويستندان على فلسفة وحكمة، وتكون مؤطرة من قبل مفكرين مثقفين يعرفون ما هو الأصوب والأنجح لثقافتنا وعاداتنا وتقاليدنا، ويتجنبون النسخ ويعملون بالعنصر النقدي والتأويلي، يدخلون في التجديد والتأصيل ويحافظون على ما هو متجذر في تقاليدنا وعمقها ، مع الحرص على خصوصيتنا الفكرية والدينية والاثنية والثقافية “التامغرابيت” كما يصح القول، يمكن أن تكون فاعلة في المجتمع.
و أضاف أن الهدف الحاسم الذي نسعى إليه هو أن تحافظ الثقافة الفاعلة على خصوصيتنا وتجعلنا نتميز عن بقية المجتمعات، ونصطف ضمن إطار إقليمي عربي إفريقي متوسطي دولي، مع تلك الخصائص الثقافية التي تميزنا تمتح من الماضي تستمر في الحاضر و تستشرف المستقبل ، مع اعتماد جميع المرجعيات الكفيلة بالحفاظ على خصوصيتنا التي نسميها الثقافة، والتي تبقى حتى عندما ننسى كل شيء.
رغبة الشباب في التغيير و التجديد وتأُثيرها على الثقافة :
ويقول ادريس الفاتح هادف فاعل جمعوي و مهتم بالشأن الثقافي، أن الأجيال الجديدة تسعى لإثبات ذواتها، وهذا يتم عن طريق خطوات أساسية متعلقة بالتغيير الثقافي، ويتعلق الأمر بمختلف جوانب الحياة مثل نمط العيش، والملابس، والموسيقى، والعادات المرتبطة بالتفاعل في الفضاء العام، كل هذه العوامل تلعب دورًا هامًا في إبراز هويتهم أمام الأجيال السابقة.
ويضيف أن البعض يرى أن الأجيال السابقة يمكن ترتكب أخطاءً قد تؤثر على رؤيتهم للأمور الحالية، مما يلقي بالمسؤولية على عاتق الأجيال الحالية لتحقيق التجديد الإيجابي في مختلف المجالات، وخاصة في المجال الثقافي. فالثقافة ليست ثابتة عبر الأجيال، بل هي متغيرة ومتجددة. وفي بعض الأحيان، تكون الثقافة السابقة مصدرًا للتجديد والابتكار في ثقافات الأجيال اللاحقة.




































