أعاد النقاش حول تأسيس حزب سياسي بمرجعية أمازيغية طرح إشكالات عميقة تتعلق بعلاقة الهويات الثقافية بالبنية الحزبية في المغرب، لاسيما في ظل الاعتراف الدستوري بالأمازيغية كلغة رسمية منذ 2011، وما تبعه من دينامية مؤسساتية جزئية لم تُفضِ بعد إلى تمثيل سياسي فعلي يعكس الوزن الرمزي والاجتماعي للثقافة الأمازيغية.
ينقسم هذا النقاش بين اتجاه يرى في تأسيس حزب أمازيغي مسعى مشروعا لإعادة التوازن داخل المشهد السياسي، وتصحيح اختلالات ناتجة عن هيمنة مرجعيات إيديولوجية مستوردة لا تراعي الخصوصية الثقافية المغربية، واتجاه آخر يعتبر أن هذا الطرح قد يختزل قضية وطنية جامعة في إطار فئوي، مما يهدد بتحويلها إلى ملف خاص قابل للتهميش أو التجزئة السياسية.
الطرح الأول يستند إلى نقد جوهري لبنية النظام الحزبي المغربي، ويعتبر أن معظم الأحزاب التقليدية تشكلت على خلفيات فكرية متأثرة بالسياقات العربية أو الإسلامية أو الغربية، دون أن تترجم واقع التعدد الثقافي والاجتماعي الوطني. ومن هذا المنطلق، يطرح تأسيس حزب أمازيغي كخطوة لتأصيل فعل سياسي نابع من الذات الثقافية المغربية، وقادر على تقديم نموذج تنموي بديل متصالح مع الواقع المحلي.
في المقابل، يحذر الاتجاه المقابل من أن تأسيس حزب على أساس مرجعية ثقافية قد يؤدي إلى تملص الأحزاب القائمة من مسؤولياتها الدستورية تجاه الأمازيغية، مما يعمق منطق التقسيم بدل الاندماج. ويدعو هذا الرأي إلى تبني نهج “التمزيغ من الداخل”، أي الضغط لتضمين القضية الأمازيغية في البرامج والسياسات العامة لكافة التشكيلات السياسية، باعتبارها جزء من الهوية الوطنية لا مجال لتحزيبها أو خندقتها .
وبين الطرحين، تبرز إشكالات أعمق تتعلق بحدود التعدد داخل النظام السياسي المغربي، ومدى قدرته على استيعاب التعبيرات الهوياتية دون الانزلاق إلى منطق التقسيم الثقافي أو الإيديولوجي، خاصة في ظل محدودية التمثيلية السياسية للأمازيغية في المؤسسات التشريعية والتنفيذية، بالرغم من الاعتراف الرسمي.
في الخلاصة، يظل النقاش حول تأسيس حزب بمرجعية أمازيغية مؤشرا على أزمة مزدوجة: أزمة تمثيل فعلي لقضية حضارية وطنية، وأزمة هيكلية في النظام الحزبي، تطرح سؤال التجديد من الداخل مقابل خيار التأسيس الخارجي. وهي معركة سياسية وثقافية عميقة، لا تتعلق فقط باللغات أو البرامج، بل بمستقبل التعدد والتعايش داخل الدولة الوطنية.
يتابع :




































